أسعد السحمراني
79
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
إن نوعي الفضيلة يفرضان على الإنسان أن يقدّس الحكمة والحكماء ، لأن من يريد أن يكون فيلسوفا حاصلا على الفضيلة بمعناها الخالص ، عليه أن يواظب على العلم والتعليم حتى يتحقق له ذلك ، ومن أراد معرفة الفضائل للعمل بموجبها عليه أن يكتسب العلم والمعرفة ، وأفلاطون يوصي هذا الإنسان قائلا له : « لا تكن حكيما بالقول فقط ، بل وبالعمل » « 1 » ويوصيه كذلك : « أحبب الحكمة وأنصت للحكماء واطرح سلطان الدنيا عنك » « 2 » . والإنسان الذي يريد أن يكون فيلسوفا فاضل النفس ، مترفّعا عن المادّيّات ، ساعيا إلى الاتصال بعالم الحقائق ، عالم الفضيلة ، ما عليه إلّا أن يجعل من نفسه رقيبا ذاتيا يزن له أعماله ، ويقوم بمحاسبته على كل فعل يقوم به . لأن الإنسان مهما كانت معرفته والتزامه قد تزلّ به قدمه إن لم يجعل الرقابة على سلوكه من درجة عالية حتى يستطيع أن ينزّه نفسه ، ويزكّيها ، ويرقى في معارج الكمال . لذا يوصي أفلاطون من طمح إلى الفضيلة قائلا له : « لا تنم حتى تحاسب نفسك على ثلاث : هل أخطأت في يومك ؟ وما اكتسبت فيه ؟ وما كان ينبغي أن تعمله من البرّ فقصّرت فيه ؟ » « 3 » . بعد هذا المفهوم العام للفضائل وكيفية اكتسابها عند أفلاطون سنمرّ على مفهومه لبعض الفضائل التي تناولها في كتاباته . أول هذه الفضائل الحبّ الذي يعوّد الإنسان على رابطة الصداقة مع غيره من أبناء المجتمع ، ويجعله متميّزا بقيم نبيلة هي مفتاح تحقيق الفضائل الخلقية ، خاصة وأن العلاقة بين البشر ليست قائمة على أساس طبيعي عضوي ، وإنما على أساس القيم الأخلاقية وفي مقدمتها المحبة . وقد نبّه أفلاطون من بعض المحبين الذين يسيؤون استخدام مشاعر الحبّ ، فتراه لا يبني حبّه على قواعد سليمة ، ولا يخضعها لمعايير ثابتة ،
--> ( 1 - 2 - 3 ) يراجع : مسكويه ، أبو علي أحمد بن محمد ، الحكمة الخالدة ، م . س .